الخطبة الثانية
الحمد لله، ولا حمد إلا له، وبسم الله ولا يستعان إلا به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وبعد: ثالثًا: الإلحاد وما أدراك ما الإلحاد؟
أيها السادة، إن لليقين في الإسلام مكانةً كبيرةً؛ فهو لُبُّ الدين، ومقصوده الأعظم، ويزيد العبد خضوعًا واستكانةً لمولاه، ويوقن بجميع ما جاء في القرآن، وما صحَّ عن خير الأنام يقينًا جازمًا لا يماري في ثبوته، ولا يشك في صحته، وإن مما يضاد اليقين ويناقضه: تعلق المخلوق بغير خالقه، والتفات قلبه إليه، وتطلعه إلى ما في يديه، قال سهل بن عبدالله- رحمه الله-: "حرام على قلب أن يشتم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله". ومن أرخى سمعه وقلبه إلى الأباطيل والشكوك والشبهات، وقع في الردى والمهلكات! فشر الأمور أكثرها شكًّا وريبًا، وخيرها ما أسفر عن اليقين، وفي التنزيل الحكيم: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم: 60]؛ لذا انتشر الإلحاد بصورة مخزية، وانتشرت مواقع الإلحاد على مواقع التواصل الاجتماعي للنيل من شبابنا وبناتنا والزج بهم في مواقع الشبهات حتى يقع في الشك في وجود الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والعلم بالله منزلة عظيمة، وأعلى درجات الإيمان: تحقيق اليقين بالله ورسوله ودينه، وذلك برسوخ العلم في جذر القلب حتى لا تضعفه شبهة، ولا تؤثر فيه فتنة، وإن من أعظم المصائب مصاب الدين، وأعظم المصائب الردة بعد الإسلام، وأعظم الكفر الإلحاد- نسأل الله السلامة-، والإلحاد مذهب فكري، ينفي وجود خالق الكون، والملحد كافر؛ منكر للدين، منكر لوجود الإله، قال- تعالى-:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 137]. ففي عصرنا تتنوَّع طرق الدعوة للإلحاد بشكل مباشر وغير مباشر، ومن ذلك ما يعرض في القنوات الفضائية، والمواقع الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي؛ الفيس، التويتر، انستقرام.. ألعاب البلي ستيشن، والكتب، والصحف، والمجلات وغيرها.
فالحذر الحذر عباد الله على أنفسنا وشبابنا وبناتنا من الإلحاد الذي انتشر كالنار في الهشيم، فالملحد لا يؤمن بوجود الله، ولا يؤمن بوجود إلـه، وهذا هلاك ودمار وخزي وعار، فالكون مليء بالآيات القرآنية الدالة على وحدانية اللـه، وصدق رسوله صلى اللـه عليه وسلم. قال جل وعلا: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53]، فالكون كله خلقًا وتدبيرًا يشهد بوحدانية اللـه.. قال ربنا:﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54].فهو سبحانه خلق السماوات والأرض.. وجعل اختلاف الليل والنهار.. ونوع أصناف الجماد والنبات والثمرات.. وخلق الإنسان والحيوان.. كل ذلك يدل على أن الخالق العظيم واحد لا شريك له..﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [غافر: 62]. وتنوع هذه المخلوقات وعظمتها.. وإحكامها وإتقانها.. وحفظها وتدبيرها.. كل ذلك يدل على أن الخالق واحد يفعل ما يشاء.. ويحكم ما يريد.. ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62]. فالآيات تبين أن لهذا الخلق خالقًا.. ولهذا الملك مالكًا.. ووراء الصورة مصور..﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الحشر: 24].
وصلاح السماوات والأرض.. وانتظام الكون.. وانسجام المخلوقات مع بعضها.. يدل على أن الخالق واحد لا شريك له.. ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾[الأنبياء: 22]. ولما سئل الأعرابي بفطرته السليمة وعقله السليم: ما الدليل على وجود الله؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على السميع البصير؟ وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد وسئل الشافعي رحمه الله: ما الدليل على وجود الله؟ قال:ورقة التوت طعمها واحد، لكن إذا أكلها دود القزِّ أخرجها حريرًا، وإذا أكلها النحل أخرجها عسلًا، وإذا أكلها الظبي أخرجها مسكًا ذا رائحة طيبة.. فمن الذي وحد الأصل وعدَّد المخارج؟! لله في الآفاق آيات لعل
أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته
عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا
حاولت تفسيرًا لها أعياكا
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، ومكر الماكرين، واعتداء المعتدين، وإرجاف المرجفين، وخيانة الخائنين.